محمد رأفت سعيد
194
تاريخ نزول القرآن الكريم
سورة « النجم » نزلت بعد سورة الإخلاص لتجلى حقيقة النبوة والرسالة ولتخلص المفاهيم من الباطل الذي شابها لدى المشركين ، ولتطمئن النفوس إلى مسيرة الوحي المبارك من الله جل في علاه إلى رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فالسورة مكية كلها في قول الحسين وعكرمة وعطاء وجابر . واستثنى ابن عباس وقتادة آية منها مدنية وهي قوله تعالى : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ( 32 ) . وقيل إن السورة كلها مدنية . ويقول القرطبي : والصحيح أنها مكية لما روى ابن مسعود أنه قال : هي أول سورة أعلنها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بمكة . وفي « البخاري » عن ابن عباس : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم سجد بالنجم ، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس ، وعن عبد الله أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قرأ سورة النجم فسجد لها ، فما بقي أحد من القوم إلا سجد ، فأخذ رجل من القوم كفّا من حصباء أو تراب فرفعه إلى وجهه ، وقال : يكفيني هذا . قال عبد الله : فلقد رأيته بعد قتل كافرا . متفق عليه ، وهذا الرجل يقال إنه أمية بن خلف « 1 » وقيل : إنه عتبة بن ربيعة « 2 » . وتبدأ سورة النجم بهذا القسم الذي يقرع الأسماع لتكون على يقين من الحقائق التي ستبسط في السورة الكريمة والتي تتعلق بالرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وما جاء به وكيف وصل إليه وحى ربه ، ومكاشفة الناس بما لهم مع وحى الله وتبصيرهم بمواقف غيرهم مع وحى الله . وتأتى هذه الحقائق بعد مدة من الزمن سمع فيها الناس وحى الله ، واشتد عناد المعاندين وشرح الله صدور المهتدين فأذعنوا لله مسلمين يقول الله تعالى : وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ( 1 ) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ( 2 ) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) . فهذه هي الحقيقة الأولى التي تؤكدها السورة الكريمة أمام الناس والتي تبدأ بلفت النظر إلى النجم وهويّه ، والنجم وحركته مشاهد للناس لا ينكرون في تزيينه للسماء ، ولا ينكرونه في ضوئه ونوره ، ولا ينكرون ضوء النهار في إقباله بعد
--> ( 1 ) القرطبي 17 / 81 . ( 2 ) ابن كثير 4 / 246 .